فخر الدين الرازي

143

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 13 ] فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) أي عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك ، وقال خارجة بن مصعب : بلغنا أنها بعضها فوق بعض فيرتفع ما شاء اللّه فإذا جاء ولي اللّه ليجلس عليها تطامنت له فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث شاء اللّه ، والأول أولى ، وإن كان الثاني أيضا غير ممتنع لأن ذلك بما كان أعظم في سرور المكلف ، قال ابن عباس : هي سرر ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء . الصفة الخامسة : قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 14 ] وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) الأكواب الكيزان التي لا عرى لها قال قتادة : فهي دون الأباريق . وفي قوله : مَوْضُوعَةٌ وجوه أحدها : أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئا فيقول هو هاهنا موضوع بمعنى معد وثانيها : موضوعة على حافات العيون الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشرب وثالثها : موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جوهر ، وتلذذهم بالشراب منها ورابعها : أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الصغر والكبر كقوله : قَدَّرُوها تَقْدِيراً . [ الإنسان : 16 ] . الصفة السادسة : قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 15 ] وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) النمارق هي الوسائد في قول الجميع واحدها نمرقة بضم النون ، وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسر النون ، قال الكلبي : وسائد مصفوفة بعضها إلى جانب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة واستند إلى أخرى . الصفة السابعة : قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 16 ] وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) يعني البسط والطنافس واحدها زربية وزربي بكسر الزاي في قول جميع أهل اللغة ، وتفسير مبثوثة مبسوطة منشورة أو مفرقة في المجالس . [ سورة الغاشية ( 88 ) : آية 17 ] أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم ، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم ، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد . أما الأول : فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف الذي لأجله امتاز على الآخر ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر ، ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم ، ولما علمنا أن ذلك الصانع لا بد وأن يكون مخالفا لخلقه في نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني ، فهذا يدل على